حلقة دراسية حول مشروع قانون البلديات
مداخلــة
المحامي نهاد نوفل
رئيس بلدية زوق مكايل
رئيس اتحاد بلديات كسروان-الفتوح
بيـروت، 23/9/2003
محور مالية البلديات
إن معالجة موضوع "مالية البلديات" في تفاصيله يخرج عن هذه الحلقة الدراسية وعنوانها "مشروع قانون البلديات" ذلك أن هذا المشروع، لا يتناول إلا في بعض من مواده، مبادئ وعناوين تعالجها قوانين خاصة هي المرجع والمصدر لبحث دقيق حول مالية البلديات.
يحدد مشروع القانون المذكور، في الفصل الثاني منه، وتحت عنوان "مالية البلديات" وفي مادة وحيدة منه هي المادة 84 مصادر التمويل بالآتي:
- رسوم مباشرة نسبية ومقطوعة تستوفيها البلدية مباشرة.
- ورسوم تستوفيها الدولة لحساب جميع البلديات.
- ورسوم تستوفيها الدولة والمصالح المستقلة أو المؤسسات العامة أو الخاصة لحساب البلديات ويتم توزيعها مباشرة لكل بلدية.
وإن التفاصيل الدقيقة لمصادر التمويل هذه، نجدها في قانون الرسوم البلدية (القانون
رقم 60/88) وفي أصول وقواعد توزيع أموال الصندوق البلدي المستقل (المرسوم رقم 1917/79) .
ولنا في هذا السياق عودة إلى بعض المبادئ والعناوين التي تضمنتها هذه القوانين، وإن لم تكن موضوع التداول حاليا في اللجان النيابية، لقناعتنا جميعا بأن لا بلديات إذا لم يرافقها تطوير وتنفيذ النصوص المالية التي ترعى الشؤون البلدية.
وبعد،
وفي عودة إلى المادة 84 المشار إليها، ما هي باقي مصادر التمويل التي تعددها؟
تعدد المادة 84 نفسها مصادر تمويل استثنائية، فتذكر بأنها قد تتأتى من " حاصلات أملاك البلدية، من الهبات والوصايا، من المساعدات والغرامات، من القروض" وهو ما يصعب الحصول عليه عمليا سواء بسبب قلة الواهبين والموصين ومانحي المساعدات أو بسبب ما تتطلبه القروض من إجراءات وموافقات في المجلس النيابي وفي مجلس الوزراء قد يستحيل الحصول عليها.
كما وتعدد هذه المادة من بعد، من بين عناصر تكوين مالية البلديات " سائر الموارد المنصوص عنها في القانون رقم 60/88 تاريخ 16 آب 1988" مع أن هذا القانون لا يتضمن من موارد في مواده، سوى ما سبق ذكره في بداية هذه المداخلة، وكان من الأجدى بدلا من ذلك أن نذكر عبارة " سائر الموارد التي قد تتأتى للبلديات من نصوص خاصة في مختلف القوانين".
وفي هذا السياق مثلا نأتي على ذكر قانون الضريبة على القيمة المضافة رقم 379/2001 الذي خص البلديات بموارد في المادة الخامسة منه.
أما جديد مشروع القانون، وفي المادة 84 بالذات، فأن تتكون مالية البلديات من :
- بدلات الخدمات لجمع النفايات ومعالجتها ومعالجة المياه المبتذلة وخلافه.
- بدلات المشاريع السياحية والاستثمارية.
وهذا ما اشكل علي فهمه، لأنني لم أجد في المشروع، أو في أي قانون آخر ما يحدد قواعد وأصول وضوابط لفرض هذه البدلات، وقد يكون فقدان النصوص وغموضها لهذه الجهة، مصدر تجاوزات ومشاحنات.
والجديد الآخر في مشروع القانون، الذي يتناول شؤونا مالية للبلديات وتحت عنوان "الرقابة المالية" ما ورد في المادة 88 منه:
"خلافا لأي نص آخر، تخضع البلديات (جميعها) واتحادات البلديات لرقابة ديوان المحاسبة المؤخرة فقط".
كما تخضع البلديات لرقابة مفوض المراقبة، أسوة بما هو معمول في الشركات التجارية الخاصة وتحدد هذه المادة، قواعد وأصول لتعيين مفوض المراقبة المذكور.
هذا، وإن الجديد أيضا، في مشروع القانون، من النواحي المالية، ما ورد في المادة 87 عن أصول المحاسبة في البلديات بحيث نصت على " أن تعين قواعد وأصول المحاسبة في البلديات بموجب مرسوم يتخذ في مجلس الوزراء" فوحدت بذلك إجراءات المحاسبة لدى جميع البلديات ولم تفرق بين بلديات خاضعة لقانون المحاسبة العمومية وبلديات خاضعة لأصول خاصة بها كما هو معمول به حاليا.
وهذا يستتبع ولا شك وضع نصوص جديدة لأصول المحاسبة في البلديات تحرك وتسرع تنفيذ المشاريع البلدية.
إذ أن أصول المحاسبة لدى البلديات المعمول به حاليا بالمرسوم رقم 5595/82 المعدل بموجب المرسوم رقم 7861/96 لا يزال ينص لتاريخه وفي المادة 67 منه، على أن عقد الصفقة بطريقة استدراج العروض جائزة إذا كان قيمة الصفقة لا تتجاوز المئة ألف ليرة لبنانية، في حين أن مشروع القانون، موضوع البحث، يضع في المادة 73 منـه وضمن اختصاص رئيس السلطة التنفيذية صرف نفقات اللوازم والأشغال والخدمات بموجب بيان أو فاتورة ضمن حدود ثلاثة ملايين ليرة لبنانية وهو المعمول به حاليا.
وهنا، نشير إلى أن ،
ما أغفل المشروع ذكره، ضمن اختصاص المجالس البلدية وعن غير قصد، هو ما أجازه القانون رقم 212 تاريخ 26/5/2000 وبمادة وحيدة، للمجالس البلدية عقد صفقات بموجب بيان أو فاتورة إذا كانت قيمتها تفوق الثلاثة ملايين ليرة ولا تتجاوز العشرين مليون ليرة وذلك دون التقيد بأية نصوص تخالف أحكام هذه المادة.
وهذا النص، إذا لم يعد إدراجه ضمن صلاحيات المجالس البلدية، فسيكون ذلك عقبة في سبيل تطوير العمل البلدي وتسريع تنفيذ المشاريع ويعيد البلديات إلى وضع سابق كانت تشكو منه فوجد المشترع حلا له بالتعديل المشار إليه.
وبعيدا عما تضمنه مشروع قانون البلديات في النواحي المالية، وإذا رجعنا إلى مضمون القوانين التي ترعى مالية البلديات ومنها قانون الرسوم البلدية (رقم 60/88) وأصول وقواعد توزيع أموال الصندوق البلدي المستقل (المرسوم 1917/79).
ماذا نقرأ فيهما؟
وما الذي نشكو منه ويعوق التنمية الشاملة في مدننا وقرانا؟
لن نغوص، لضيق الوقت، في البحث بأية تفاصيل وحتى بأية عناوين لها علاقة بالموارد المالية للبلديات وكلها أصبح مألوفا ومعلوما من جميع المعنيين بالشؤون البلدية. سنكتفي هنا، وللمرة الخمسين بإلقاء الضوء فقط على بعض النصوص المالية التي نجمع نحن، على وجوب تنفيذها لتأمين مالية سليمة للبلدية أرادها المشترع لتتمكن البلديات من تحقيق مهامها وأهدافها التنموية.
وبعد،
إن المشترع، وفي وثيقة الوفاق الوطني التي أقرها اللقاء النيابي في مدينة الطائف بتاريخ 23/10/98، والتي صدقها مجلس النواب بتاريخ 5/11/98، قد أكد حرفيـا علــى "وجوب تعزيز موارد البلديات والاتحادات البلدية بالإمكانات المالية اللازمة".
رغم ذلك نلاحظ، أن الحكومات قد اتجهت في السنوات الأخيرة، وبعد الطائف، إلى تقليص الموارد البلدية في النصوص التشريعية، فموازنة العام 1999 قد خفضت الرسم على القيمة التأجيرية من 10% إلى 5% للسكن ومن 11% إلى 7% لغير السكن، والقانون رقم 210 تاريخ 26/5/2000 قد أعفى كل طائفة معترف بها في لبنان والأشخاص المعنويين التابعين لها من الرسوم البلدية. وأعفى المشترع كذلك المؤسسات العامة ذات الصفة التجارية من الرسوم البلدية. وقانون تسوية مخالفات البناء الأخير حرم البلديات من 60% من الرسوم والغرامات خلافا لما كان مألوفا في السابق، والقانون رقم 282/93 خفض نسب ضريبة الدخل، ورسم الانتقال وضريبة الأملاك البلدية، فانعكس كل ذلك سلبا على حاصلات الرسوم البلدية من هذه الموارد، في حين أن الدولة قد عمدت في كل من موازنتين العام 92 و 94 على تعزيز إيراداتها بفرض زيادات ملحوظة على أنواع عديدة من الرسوم التي ليس للبلديات أية حصص فيها ومجملها بطريقة الرسم المقطوع، كما وأن عائدات الكازينو للبلديات الصغرى قد توقفت هي أيضا.
مع ذلك كله، نبادر ونؤكد على أن البلديات لا تطالب بأية زيادة على نسب الرسوم المعمول بها حاليا، ولا تطالب بإقرار أية رسوم بلدية جديدة، بل هي تطالب اليوم بتطبيق وتنفيذ أحكام القوانين النافذة، ومنها:
- تطبيق أحكام المواد 96 و 97 و 98 من قانون الرسوم البلدية التي تنص على وجوب تأدية الأمانة التي تجبى لحساب البلدية المعنية، من قبل المؤسسات العامة والمصالح المستقلة كل ثلاثة أشهر (كهرباء، مياه، هاتف).
ونلاحظ، أن هذه العلاوات المفروضة لصالح البلديات قد أوجبتها قوانين الرسوم المتتالية من المرسوم 15677 تاريخ 4/3/64 الذي وضع قانون الرسوم موضع التنفيذ، إلى المرسوم الاشتراعي رقم 68 تاريخ 5 آب 1967 إلى القانون رقم 60/88 ومنذ ذلك التاريخ حرمت البلديات أو معظمها من عائدات هذه الرسوم وما تزال.
وحاولت الحكومة الاستيلاء مستقبلا على هذه العلاوات فأصدرت المرسوم التطبيقي رقم 7333/2002 لقانون الضريبة على القيمة المضافة رقم 379/2001 وفيه حرمان للبلديات من هذه العائدات، فجاء الرأي الاستشاري لديوان المحاسبة رقم 77/2003 ليؤكد على عدم قانونية المرسوم التطبيقي المذكور، وعلى وجوب دفع الرسم البلدي المتوجب لصالح البلدية كاملا دون أي اقتطاع.
ورغم ذلك، لا يزال قرار ديوان المحاسبة دون تنفيذ، وحرمان البلدية من الرسوم العائدة لها مستمرا. –
فضلا عن ذلك،
- يتوجب تطبيق أحكام المادة 87 من قانون البلديات التي تنص صراحة على أن أموال الصندوق البلدية المستقل هي أمانة لدى وزارة المالية كما يتوجب تنفيذ أحكام المرسوم التطبيقي رقم 1917/79 بوجوب إيداع العلاوات المجباة لصالح البلديات من قبل الدولة وفي نهاية كل شهر، مصرف لبنان في حساب الصندوق البلدي المستقل وتوزيع هذه العائدات كل سنة في مهلة أقصاها شهر أيلول من كل عام وفق ما فرضته المادة الثامنة من المرسوم التطبيقي المذكور.
كما ويتوجب،
- عدم استعمال أموال الصندوق البلدي المستقل من قبل أية جهة غير البلدية ولأية غاية، غير تلك التي نص عنها قانون البلديات فلا يقتطع مثلا بالمرسوم 6620 تاريخ 24/10/2001 مبلغ/000 600 6/د.أ. لصالح مجلس الإنماء والإعمار لتنفيذ أشغال مجاري ميــاه الأمطـار ولا يقتطع بالمرسوم 6696 تاريخ 12 تشريـن الثانـي 2001 مبلــغ
/000 900 3/د.أ. لمجلس الإنماء والاعمار أيضا ولنفس الغاية ولا يقتطع بالمرسوم 6542/2001 مبلغ/134 727 5/د.أ. لصالح شركة ليسيكو، نفقات اشراف. ولا تقتطع أيضا الرسوم المدرسية ومساهمات الأهالي في صناديق المدارس الرسمية من أموال الصندوق البلدي المستقل كما حصل مؤخرا لسنتين دراسيتين متتاليتين.
وفي هذا كله، دلالة على عدم تحسس الحكومة أهمية دور البلديات وقدرتها على إنماء وتطوير مناطقها بما تقدمه من خدمات عامة وتؤمنه من تجهيزات، وتساهم به في برنامج الإنماء العام.
وفي هذا دلالة أيضا على عدم الشعور بضرورة تعزيز الموارد البلدية بالإمكانات المادية اللازمة تطبيقا لأحكام الطائف وتحقيقا للديمقراطية واللامركزية وهي الغاية التي كانت من أجلها وثيقة الطائف.
إن على الدولة في وعيها لأهمية دور البلديات أن لا تكتفي فقط بتنفيذ القانون وتأمين الموارد العادية للبلديات، بل عليها أن تساعد على وضع خطة إنمائية لأجل تعزيز الموارد البلدية في سبيل تشجيع وتحقيق بعض المشاريع الحياتية. وأن تؤمن لها مواردا استثنائية بتمويل استثنائي نصت عنه صراحة المادة 49 من قانون البلديات الساري المفعول التي أجازت بموافقة وزير الداخلية القروض على أشكالها والـ B.O.T. منها.
وهذا ليس بجديد في الإدارات المحلية العربية منها والغربية، إذ أن قانون الإدارة المحلية السوري قد حدد مصادر عدة للحصول على قروض للمجالس المحلية، منها المصرف العقاري لتنفيذ المشاريع السياحية والسكنية، صندوق السلطات المحلية ، صندوق تعاضد موظفي السلطات المحلية.
وفي فرنسا، تمثل القروض “Les emprunts” ، مصدرا مهما لتمويل المشاريع الإنشائية، وتتعدد الجهات المقرضة: من الدولة، إلى الصندوق القومي للأعمال العقارية “Fonds national de l'amenagement foncier et de l'Urbanisme" إلى صندوق الودائع والتأمينات “Caisse des depots et consignations" الذي يقدم قروضا لآجال طويلة تصل إلى عشرين عاما، إلى صندوق مساعدة الإنشاءات المحلية “La caisse d'aide a l equipment des collectivites locales”، إلى صندوق الائتمان العقاري “Le Credit foncier" ، إلــى صنـاديـق الائتـمـان الزراعي
“Les Caisses de credit agricole” ، إلــى الـصندوق القومــي للغـابــات
“Fonds forestier National” ، الذي يحصر قروضه للمحافظة على الغابات، وتصل مدة قروضه إلى ثلاثين عاما، ولا تزيد فائدته عن الواحد بالماية.
هل كثير بعد ذلك، أن نطالب الدولة بإنشاء المصرف الوطني للتسليف البلدي لتنظيم مثل هذه القروض؟
عالجنا في كل ما سبق، مالية البلديات، إلا أننا لن ننسى أن الاتحادات البلدية هي أيضا مؤسسة عامة لها شخصية معنوية واستقلال مالي وإداري، وميزانية، وموارد، أسوة بالبلدية ويرعاها في الوقت نفسه، قانون البلديات.
غير أننا في هذا البحث لن نتطرق إلى تفاصيل مالية الاتحادات خصوصا أن لا جديد في مشروع القانون حول ماليتها وميزانيتها ومواردها. مع أن لنا ملاحظات عديدة مستمدة من خبرتنا طوال ما يزيد عن ثلاثين عاما في إدارة اتحاد البلديات، نتركها لوقت يكون فيه البحث في الموضوع مجديا والوقت كاف.
وفي النتيجة، لا بد من إعادة نظر شاملة لإعادة الثقة والدور إلى البلديات – وهي هيئات منتخبة - ، أقله، بتطبيق وتنفيذ القوانين التي ترعاها، ذلك إذا أردنا بالفعل أن نرفع مستوى الأرياف، ونحد من الهجرة الكاسحة نحو المدينة، إذا أردنا للبلديات أن تتطور وأن تؤدي المهام التي وضعت على عاتقها في الميادين الاجتماعية والصحية والثقافية والعمرانية، أن تفعل في المحيط المحلي الذي ترعاه، أن تسهم مع الدولة في تغطية الحاجات العامة وأن تتكامل معها. إذا أريد ذلك، فلابد من أن تؤمن للبلديات مالية سليمة ومتكافئة مع المتطلبات.
المحامي نهاد نوفل
رئيس بلدية زوق مكايل
رئيس اتحاد بلديات كسروان-الفتوح