حلقة دراسية حول
" مشروع قانون البلديات"
بيروت في: 23 أيلول، 2003
فندق الكومودور
مشروع قانون البلديات
انتخاب المجالس البلدية ورؤسائها
تختلف طبيعة العمل البلدي عن طبيعة العمل النيابي، وإذا كانت صحة التمثيل هي المطلوبة في المجالين البلدي والنيابي، فإن المشاركة في إدارة الشأن المحلي تفترض تواصلا مستمرا وفاعلا بين الناس ومن يمثلهم في المجالس البلدية لأن هذه المجالس تهتم بالأمور الحياتية اليومية، وهذا ما يستدعي انتخاب أشخاص يمثلون الناس تمثيلا صادقا ويحملون همومهم ويتحملون المسؤولية تجاههم.
لقد أكدت التجارب، في مختلف دول العالم، أن صحة التمثيل ترتبط بحجم الدائرة الانتخابية، فالنظام الأكثري، المعتمد حتى الآن في لبنان، لا يحقق تمثيلا صحيحا إلا في الدوائر الصغرى التي لا يزيد عدد الناخبين فيها على الخمسين ألف ناخبا، فصحة التمثيل في الدوائر الكبرى تقتضي اعتماد النظام النسبي.
إضافة إلى ذلك، أكدت تجربة الانتخابات البلدية في لبنان ضرورة وضع ضوابط من أجل صحة التمثيل وتوازنه في إطار المبادئ التي تحكم الصيغة السياسية التي تقوم عليها الدولة والتي تنسحب على التمثيل البلدي، وإن يكن من طبيعة غير سياسية، وعنيت بالتوازن التوازن الطائفي إضافة إلى التوازن الاجتماعي. وهذه القضية تبرز في بيروت نظرا لكبر حجمها، وللاختلاط السكاني فيها، وللخلل الديموغرافي في تركيبتها البشرية الطوائفية، ولدور الانتماءات الطوائفية في تحديد خيار الناخبين، وقد بدا ذلك واضحا في الانتخابات البلدية في العام 1998 كما في الانتخابات البلدية التي سبقتها. وقد عمدت الحكومة ومجلس النواب إلى ضبط التوازن الطوائفي في بلدية بيروت عن طريق تعيين ثلث أعضاء المجلس البلدي بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء، وفي القانون الذي جرت على أساسه انتخابات 1998، ألغي هذا الإجراء وجرى انتخاب كل أعضاء المجلس البلدي، غير أنه عمد إلى ضبط التوازن الطوائفي من خلال اللائحة التي شكلها رئيس مجلس الوزراء السيد رفيق الحريري، وفرضت كأمر واقع، وهذا قد لا يحصل مرة ثانية، ولا يمكن الركون لهذه الطريقة وهي مخالفة لأبسط قواعد الديمقراطية، كما أن التعيين في المجالس البلدية من قبل السلطة المركزية مخالف للديمقراطية، ولمبادئ اللامركزية الإدارية. لذلك ينبغي البحث عن ضوابط من خلال نصوص قانونية تتفق مع مبادئ اللامركزية الإدارية والديمقراطية في آن معا.
لقد نص قانون البلديات المعمول به حاليا كما مشروع القانون المطروح على مجلس النواب، في مادته الحادية عشرة الفقرة 2 ، على ما يلي : " تؤلف البلدية دائرة انتخابية واحدة " .
إن اعتماد البلدية دائرة انتخابية واحدة في إطار نظام أكثري يؤدي إلى تمثيل صحيح في البلديات الصغرى والمتوسطة الحجم إلى حد ما ، أما في البلديات الكبرى وبخاصة في بلدية بيروت التي يناهز عدد الناخبين المسجلين فيها الأربعماية ألف ناخب، وقد اقترع منهم في الانتخابات البلدية في العام 1998 حوالي 120 ألف وفي الانتخابات النيابية للعام 2000 ما يناهز 160 ألف، لا يمكن للاقتراع الأكثري في بلدية كهذه أن يؤدي إلى تمثيل صحيح وإلى توازن طوائفي في التمثيل.
المشكلة مطروحة على صعيد العاصمة وليست مطروحة على صعيد البلديات الأخرى، ويمكن معالجتها، إما باعتماد النظام النسبي في بلدية بيروت دائرة انتخابية واحدة، وإما تقسيم بيروت، في الانتخابات البلدية، إلى اثنتي عشرة دائرة انتخابية، وهي مقسمة حاليا إلى اثنتي عشرة دائرة عقارية تتوزع عليها لوائح الناخبين وأقلام الاقتراع، بحيث تتحول كل دائرة عقارية إلى دائرة انتخابية. ويخصص لكل دائرة انتخابية عدد من المقاعد في المجلس البلدي يوازي حجم عدد الناخبين المسجلين فيها، ويجري انتخاب الأعضاء عن كل دائرة من قبل الناخبين المسجلين في الدائرة.
أما المناطق العقارية التي تتحول إلى دوائر انتخابية، وفق هذا الاقتراع، فهي الآتية: الأشرفية ، ميناء الحصن ، الرميل ، المدور ، المرفأ ، الصيفي ، زقاق البلاط ، الباشورة ، دار المريسة ، المصيطبة ، رأس بيروت ، المزرعة.
إن اعتماد النظام النسبي في بلدية بيروت دائرة انتخابية واحدة يؤدي إلى صحة التمثيل ولكنه قد يؤدي في الوقت نفسه إلى تجاذبات طوائفية ومذهبية تترك آثارا سيئة على وحدة العاصمة وتضامن أبنائها. لذلك نرى أن الحل يكمن في اعتماد بلدية بيروت اثنتي عشرة دائرة انتخابية، من اجل تحقيق تمثيل صحيح ومتوازن، وربط أعضاء المجلس البلدي بهيئة ناخبة محددة مسؤولين أمامها، ومن اجل تخفيف الأعباء المالية على المرشحين نتيجة حصر الاقتراع بدوائر محددة، وتقليص دور المال في الانتخابات . فلا يعقل أن تقسم بيروت إلى عدة دوائر في الانتخابات النيابية وتبقى دائرة واحدة في الانتخابات البلدية.
أما انتخاب رئيس ونائب رئيس المجلس البلدي مباشرة من قبل الناخبين وليس كما هو في القانون المعمول به حاليا من قبل أعضاء المجلس البلدي، فيعتبر خطوة جيدة في مشروع القانون المطروح على مجلس النواب، لأن رئيس البلدية يتمتع بصلاحيات واسعة ومن المفترض أن يأتي نتيجة خيار الهيئة الناخبة، وأن يتحمل مسئوليته تجاهها مباشرة. كما أن الانتخاب المباشر للرئيس ولنائب الرئيس يؤدي إلى قطع الطريق على الصفقات والبازارات التي تعقد بين أعضاء المجلس البلدي أحيانا بشأن الرئاسة ونيابة الرئاسة.
وبالنسبة لبلدية بيروت بالذات يمكن تجاوز مشكلة الرئاسة ونيابة الرئاسة عن طريق نص قانوني في قانون البلديات، يجعل الرئيس منتخبا من قبل الناخبين في دائرة المزرعة ، ونائب الرئيس منتخبا في دائرة الأشرفية، وهما أكبر دائرتين انتخابيتين في بلدية بيروت.
من ناحية أخرى، ومن الناحية المبدئية، ينبغي إعطاء حق الاقتراع في الانتخابات البلدية للمقيمين منذ فترة زمنية محددة في النطاق الجغرافي للبلدية، خاصة أن هناك بلديات معظم المقيمين فيها من غير الناخبين في إطارها، إنما هم ناخبون في مدن وقرى غير مقيمين فيها إنما مسجلين فيها بحكم الانتماء الموروث. هذه القضية يجب أن تبحث جديا وأن تجري معالجتها في وقت قريب، لأن المقيمين يدفعون الرسوم البلدية وينعكس العمل البلدي على حياتهم اليومية مباشرة، ولا بد من أن يشاركوا في انتخاب البلدية التي تتولى أمورهم.
الدكتور عصام سليمان